السيد حسين بن محمدرضا البروجردي
250
تفسير الصراط المستقيم
وهذا غاية الإعجاز للكلام بلا فرق بين تسليم اشتماله على مراتب الفصاحة والبلاغة ، والأسرار الحكميّة والآداب الإلهيّة وعدمه ، فإنّ إعجازه على الأوّل ظاهر ، وكونه خارقا للعادة معجزا لجميع البشر باهر ، وكذا على الثاني أي على فرض عدم التسليم بأنّ إعجازه للفصاحة ، بل للصرفة أيضا ظاهر ، بل لعلَّه أظهر ، إذ سلب القدرة عن آحاد النّاس عمّا كانوا يقدرون عليه واستمرار ذلك السّلب في حال حياة السالب وبعدها إلى أبد الدهر أعجب وأغرب من إظهار القدرة على ما لا يقدرون عليه . ألا ترى أنّه لو ادّعى أحد النبوة وقال : إنّ معجزتي المشي على الماء ، وادّعاها آخر وقال : إنّ معجزتي سلب قدرة الناس عن المشي على الأرض لكانا مشتركين في خرق العادة ، بل لعلّ الثاني أعظم قدرا وأجلّ خطرا لكونه تصرفا في الغير ، سيّما مع عمومه وشموله لجميع آحاد النوع ، خصوصا مع استمراره مدّة حياته وبعد وفاته . وبالجملة كون القرآن معجزا أمر بديهيّ لا شك فيه ولا شبهة يعتريه ، سيّما مع الإخبار فيه في كمال القوّة والاطمئنان بمحضر ومنظر من فصحاء آل عدنان وبلغاء قحطان * ( بأنّه لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ والْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه ولَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) * « 1 » مع أنّهم قد أذعنوا له بكمال الفصاحة والبلاغة وأعظموا أمره حتّى نسبوه إلى السّحر كما حكى عنهم فيه بقوله : وقالُوا * ( إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) * « 2 » ، وقد ورد في تفسير قوله تعالى :
--> ( 1 ) الإسراء : 88 . ( 2 ) الصّافّات : 15 .